إدارة التقنية

الذكاء الاصطناعي وتوظيفه في المنظمات غير الربحية

الذكاء الاصطناعي وتوظفيه في المنظمات غير الربحية
كُتب بواسطة أحمد فتحي النجار

انتشرت كلمة الذكاء الاصطناعي في الأعوام الأخيرة بشكل تدريجي ووصل صيت هذه الكلمة للذروة عقب إكتشاف المختصين بعلوم البرمجة والتقنيات بالولايات المتحدة تطوير أحد أنظمة الذكاء الاصطناعي التابعة لشركة فيسبوك لغة خاصة بالتواصل وتبادل المعلومات والحوارات فيما بينها، والتي أشعرت بعضهم أن خطراً محققاً يهدد الإنسانية إذا أصبحت الحواسيب والأجهزة قادرة بالفعل على التحكم الذاتي على وإقصاء الإنسان عن هيمنته الأبدية وتحكمه المفترض على التفكير واتخاذ القرارات.

ورغم هذه التخوفات فإن السواد الأعظم من العلماء حول العالم يرون أن الذكاء الاصطناعي هو التقنية التي يمكنها أن تحدث نقلة نوعية في مستوى رفاهية الإنسان على ظهر هذا الكوكب لأنها الأداة القوية التي يمكنها أن تدفعه نحو مستقبل يهنأ فيه بالتنمية المستدامة وتحقيق نتائج إيجابية لا محدودة، فما هو الذكاء الاصطناعي وما هي أهدافه.

تعريف الذكاء الاصطناعي:

يدعي بعض المختصين أن مصطلح الذكاء الاصطناعي هو مصطلح جدلي وأنه لا يمكن أن ينطبق عليه تعريف محدد ، فيما يرى البعض أن الذكاء الاصطناعي هو السلوك والخصائص التي تتسم بها البرامج الحاسوبية فتجعلها تحاكي القدرات الذهنية البشرية وأنماط عملها، ومن ذلك قدرتها على التعلم والاستنتاج واتخاذ القرارات وإصدار ردود الأفعال على المواقف التي لم تبرمج سلفاً. وينبثق من هذا البحر الكبير  والذي نسميه الذكاء الاصطناعي تعلم الآلة (أو علم الآلة) والذي يركز على دراسة وبناء خوارزميات يمكنها التعلم من البيانات والخروج بتوقعات منها.

أهداف الذكاء الاصطناعي

لم تكن أهداف ابتكار وتطوير تقنية الذكاء الاصطناعي هي تحرير الآلة من قيد الإنسان بقدر ما كانت تهدف لمنح الآلة القدرة على العمل ومواجهة المشكلات التي قد تعوقها عن العمل أو تقلل من كفاءتها في خدمة الإنسان وتحقيق أهدافه وطموحاته اللامحدودة في المجمل، ولذلك من المناسب أن تعرف أن أجهزة الذكاء الاصطناعي التي طورت لغة خاصة بها بدت مشفرة وغير مفهومة للخبراء قد تم تدميرها بالفعل لأنها قد أصبحت بين لحظة وأخرى قادرة على التمرد على الإنسان واتخاذ قرارات قد تضر بموقفه العام في السيطرة والتحكم في هذه الأرض.

ومع ذلك فإننا يمكن أن نجمل أهداف الذكاء الاصطناعي في أنها مجموعة آليات جديدة يتم ابتكارها لتسهيل مهام الآلات والحواسيب والأجهزة لتعمل وفق استراتيجيات عمل لا تعتمد فيه على الإنسان في التشغيل واستمرارية العمل وتحقيق نتائج إيجابية غير متوقعة إضافة للنتائج المتوقعة سلفاً مع مواصلة العمل لتحقيق المهام العظمى المطلوبة منها دون تدخلات بشرية، وذلك بمنحها قدرة على التفكير والإبداع لمحاكاة التفكير الإنساني والاستفادة من تجاربه، مع تسهيل التواصل معها باستخدام اللغة الانسانية كلغة للتشغيل عوضاً عن لغات البرمجة لجعلها في متناول كل شرائح المجتمع حتى من ذوي الإحتياجات الخاصة.

اقرأ أيضاً:  ما هو علم الآلة؟ مقدمة وتطبيقات عملية

أثر ظهور الذكاء الاصطناعي وتمكن الأجهزة في قطاع العمل الخيري والمنظمات غير الربحية:

وفقًا لمؤسسة Charities Aid فإنه يمكن أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى إحداث ثورة في العطاء الخيري، ففي مقال نُشر على موقع CAF الإلكتروني، يقول رودري ديفيس أنه بواسطة الذكاء الاصطناعي يمكن دعم قطاع العمل الخيري والمنظمات غير الربحية وتحويل العطاء لسلوك رئيسي من سلوكيات البشر وذلك من خلال ما يمكن أن تقدمه هذه التقنية من نصائح آلية ودائمة تحضهم على العطاء، وذلك في ضوء الأدلة الدامغة والتجارب الفعلية لاستخدام تقنية chatbots أو روبوتات الدردشة لحث الأفراد على دعم القضايا التي تتعلق بهذا القطاع، ومنها على سبيل المثال، المشروع الذي اشتركت فيه شركة Arthritis Research UK مع شركة مايكروسوفت لتجريب برنامج روبوت دردشة لتقديم نصائح مخصصة حول التهاب المفاصل للمستخدمين والذي تحقق من خلاله وعي كبير بهذه القضية.

وهذا مما يبشر أنه باستطاعة الذكاء الاصطناعي العمل من تلقاء ذاته على إيجاد حلول عاجلة للقضايا الإنسانية الأكثر شيوعاً والأكثر تعقيداً كمشكلات التشرد ورعاية الأطفال والشيخوخة، مع قدرته على سرعة الأداء والاستجابة لكافة الطوارىء على مدار الوقت وتحت مختلف الظروف. إذ يُعد التعلم الآلي وسرعة الإستجابة وتحليل المعلومات واتخاذ القرارات عاملاً في تمكين الأجهزة المزودة بتقنية الذكاء الاصطناعي لحل كافة المشكلات من تلقاء ذاتها. وفي هذا الإطار فإن من المتوقع أنه لن يضطر شخص ما أحاطته أزمة في وقت متأخر من الليل إلى الانتظار حتى صباح اليوم التالي للتحدث إلى أحد الأشخاص للحصول على المشورة، إذ ستقوم الأجهزة المزودة بتقنية الذكاء الاصطناعي بإعطائه النصيحة التي يحتاجها مع ربطه مباشرة بالأشخاص الذين يمكنهم المساعدة خلال هذا الوقت الحرج. ولن يتوقف الأمر عند مثل هذه الحالات الخاصة فقط بل سيكون عظيماً متوسعا، وهو ما يعني أن مستقبلاً واعداً سيجعل الذكاء الاصطناعي والروبوتات تعمل على حل المشاكل الاجتماعية الأكثر صعوبة ليس في نطاق ميداني بسيط بل في العالم كله.

الذكاء الاصطناعي وجمع التبرعات:

من ضمن التوقعات الإيجابية بخصوص مساندة الذكاء الاصطناعي لمهام عمل المنظمات غير الربحية فهناك طموحات كبيرة بإمكانية قيام هذه التقنية بدعم هذه المنظمات في جوانب تحسين وتسريع عمليات جمع التبرعات وخدمة القضايا المختلفة الخاصة بها. ورغم أن هناك حديث متسارع عن أدوات ووسائل متنوعة يمكن الإعتماد عليها في هذا الجانب إلا أن تجربة منظمة  Charity: Water الخيرية في استغلال الذكاء الاصطناعي في عملية جمع التبرعات تعتبر رائدة، إذ أنها عمدت إلى تطوير بوت آلي bot قادر على التفكير والتجاوب مع المتبرعين واقناعهم بقضايا المنظمة، وضرورة التبرع والإسهام في حلها. وقامت بذلك بإستخدام كافة الوسائل التي تؤكد مصداقية المنظمة وجديتها والتي تعتبر من البديهيات التي يتطلع المتبرع في معرفتها رغم صعوبة تحقيقها بالطرق العادية، ومن ذلك نقل صور حية للظروف والحالات الإنسانية والمكان المطلوب التبرع له، كما أن هذا البوت يتخذ اسماً بشرياً لكي يبقى محل ثقة من المتبرعين.

ويمكن للمنظمات غير الربحية استخدام أحد الحلول الجاهزة من اجل الوصول للفئات المستهدفة من المتبرعين باستخدام هذه التقنيات. أحد هذه الحلول هو تطبيق يسمى BrightCrowd، وهو أداة مساندة لـ bot روبوت الدردشة على فيسبوك ماسنجر، فهذا التطبيق يسمح للمستخدمين الذين يتم اختيارهم بمشاركة المعلومات والصور ومحتوى الصوت والفيديو والمشاركة في الاتصال والتعاون فيما بينهم، وتشكيل المجموعات والانخراط في التطوع لمختلف القضايا عن طريق الشبكات الاجتماعية، وهو ما يعني توسيع المشاركة وتعظيم أثرها بشكل غير مسبوق.

ولذلك فإن هذه التقنية التي يهرول نحوها العالم بكل قوة اليوم، والتي تدعم التعلم الآلي والقدرة على التفكير وتحليل البيانات واتخاذ القرارات والتعامل مع العديد من المواقف ستكون وسيلة مناسبة للمنظمات غير الربحية لتقلل فرص الحاجة الفعلية لجامعي التبرعات من الأشخاص الطبيعيين بكل ما يواجهونه من أعباء، وممن يُعتقد اليوم أن الإعتماد عليهم في هذا المستقبل القريب سيعتبر صورة من صور الرجعية غير المثمرة وذلك لأنهم بحاجة لجمع الكثير من المعلومات عن الأفراد المرشحين لعملية جمع التبرعات أولاً، مع تحليل الأدوات والآليات التي يمكن اتباعها كوسائل مناسبة لعملية الوصول إليهم وإقناعهم بضرورة التبرع للقضايا الخاصة بالفئات المطلوبة دعمها، بينما هذه الأمور رغم أهميتها والوقت الكبير جداً اللازم للحصول عليها وتحليلها وانتخاب أدواتها فإنها تعتبر أبسط الأعمال التي يمكن للذكاء الاصطناعي القيام بها.

عن الكاتب

أحمد فتحي النجار

محام وباحث وكاتب صحفي مهتم بالتقنية وبالشأن الخيري والإنساني.

تعليق واحد

اترك تعليق