إدارة التقنية

التحول الرقمي للمنظمات غير الربحية: فرصٌ وتحدّيات

التحول الرقمي للمنظمات غير الربحية فرصٌ وتحدّيات
كُتب بواسطة عبير القصبي

مع التسارع الكبير الذي تشهده جميع تفاصيل الحياة بسبب التطور المستمر للتقنية، أصبحت المنظمات أمام ضغط كبير لمواكبة المستجدات التكنولوجية، وسعى الكثير منها لتعلّم وتطبيق ما أمكن من أدوات تقنية بهدف تطوير ورفع جودة الأداء وزيادة معيار التنافسية لديها. إلا أن التغيير ليس سهلًا وخصوصًا بعد هذه السنوات الطويلة  من اتباع الطرق التقليدية لإدارة أعمال المنظمات وعملياتها التشغيلية، فقد اعتاد موظفوها على روتين وإجراءات معينة لإنجاز العمل مما أنتج الكثير من التحديات عند محاولة تغيير ذلك. نتيجة لذلك فقد أصبح “التحوّل الرقمي” موضوعًا ساخنًا في الأوساط الإدارية والتقنية ومجالًا مهمًا للبحث والدراسة.

أولا: ما هو التحول الرقمي وما أشكاله؟

إن التحول الرقمي أشمل وأعمق من مجرد استخدام موظفي المنظمة للحاسب الآلي والإنترنت وبعض التطبيقات البسيطة في أعمالهم اليومية. حيث نستطيع تعريف التحول الرقمي Digital Transformation  بأنه استخدام المنظمة للتقنية في إدارة أعمالها وخدماتها وأنشطتها وفي معالجة وتحليل بياناتها وفي التواصل بين أفرادها (كل من الإداريين والموظفين) وفي أداء تعاملاتها إلكترونيًا بشكل كامل، ولابد أن يتم كل ذلك في بيئة تقنية/رقمية آمنية مستندة إلى قواعد بيانات محميّة.

وللتحول الرقمي أشكال ودرجات متعددة، وتختلف المنظمات فيما بينها بطريقة ودرجة التحول حسب طبيعة نشاطها ونوع التقنية التي تحتاجها. إلا أن بعض التقنيات التي صُنِّفت الأكثر انتشارًا هذا العام هي:

  • تطبيقات الهواتف الذكية: وهي أكثر التقنيات حضورًأ واستعمالًا في الوقت الحالي حيث تستطيع المنظمة إنشاء تطبيقها الخاص لإدارة أنشطتها وتسهيل خدماتها لكل من الأعضاء والمستفيدين.
  • الحوسبة السحابية Cloud computing: وهي كل المصادر والأنظمة الحاسوبية المتوافرة تحت الطلب عبر الشبكة والتي توفر عددًا من الخدمات الحاسوبية المتكاملة للتيسير على المستخدم، وتشمل هذه الخدمات توفير مساحة لتخزين البيانات وإجراء النسخ الاحتياطي والمزامنة الذاتية، بالإضافة إلى قدرات معالجة برمجية وجدولة للمهام وإدارة البريد الإلكتروني والطباعة عن بعد.
  • انترنت الأشياء Internet of Things IoT: وهي شبكة من الأجهزة المادية والمركبات والأجهزة المنزلية وغيرها من الأجهزة الإلكترونية وأجهزة الكمبيوتر وأجهزة الاستشعار والمحركات والاتصال، تستطيع هذه الأجهزة الاتصال وتبادل البيانات فيما بينها.
  • الذكاء الاصطناعي Artificial Intelligence AI: وهو قدرة بعض البرامج والأنظمة الحاسوبية على محاكاة السلوك البشري والقدرات الذهنية للإنسان وخصوصًا القدرة على التعلم والاستنتاج حيث تستوعب هذه البرامج والأنظمة بيئتها المحيطة وتساهم في إيجاد حلول للمشاكل التي تواجهها.

إذاً .. كيف نعرف جاهزية المنظمة لهذا التحول؟

إن التحول الرقمي بشكل عام يتم على ثلاثة مستويات:

  • على مستوى القيادة Leadership: وذلك أن تكون إدارة المنظمة متبنية لهذا التحول وداعمة له ومتابعة لتطوراته.
  • على مستوى الاستراتيجية Strategy: وذلك أن يدخل التحول الرقمي في صلب رسالة المنظمة واستراتيجيتها التنفيذية والمستقبلية وينعكس على أهدافها بشكل شامل وواضح.
  • على مستوى الثقافة Culture: وذلك أن تظهر آثار التحول الرقمي على كل تفاصيل المنظمة غير الربحية من موظفين وبيئة عمل وإجراءات ومعايير وقيم تتبناها المنظمة وتعمل بها.

ولاشك أن طبيعة أنشطة وأعمال المنظمات غير الربحية التي تركز عادة تركز على قضايا غايتها إنسانية معنوية مختلفة عن طبيعة وأعمال المنظمات الربحية التي تسارع لامتلاك أي تقنية جديدة ترفع من أرباحها وتعظّم من قيمة استثماراتها، ونتيجة لهذا الاختلاف فإن المنظمات غير الربحية تحتاج إلى دراسة فاحصة لأي تقنية قبل تبينها ومحاولة عدم ركوب الموجات التقنية المتسارعة بدون دراسة مسبقة للفائدة الحقيقية التي ستضيفها هذه التغييرات على المستويات المختلفة التي سبق ذكرها. ولتقييم مدى حاجة المنظمة للتحول ولمعرفة الطريقة الأنسب لتطبيقه لابدّ من أن نجيب على الأسئلة الآتية:

  • إلى أي مدى تعتمد عملية اتخاذ القرار في المنظمة على إحصاءات ونتائج البيانات التي تقدمها الحلول الرقمية؟
  • هل تصل المنظمة إلى جمهورها المستهدف عادة عبر وسائل التسويق الإلكترونية الحديثة وبالصورة المطلوبة والمخطط لها؟
  • هل صيغة ما نقدمه من محتوى ومواد إعلامية وتسويقية هي بالأساس بالصيغة الإلكترونية ثم يتم تحويلها إلى صيغ أخرى تناسب الوسائل التقليدية؟ (أو العكس: المحتوى تقليدي ثم تتم إعادة صياغته ليناسب استخدامات الإنترنت؟)
  • هل تهتم المنظمة بتوظيف الكفاءات المهيأة والمدربة والمستعدة للتحول الرقمي؟

فإن أجابت المنظمة بـ “نعم” على كل الأسئلة السابقة فإن حاجتها وقابليتها وقدرتها على التحول الرقمي عالية.

ثانياً: ما فوائد التحول الرقمي؟

  1. سرعة وسهولة الأداء: حيث توفر المنظمات غير الربحية الكثير من الوقت والجهد عند استخدامها للتقنية سواء في أداء الأعمال أوالتواصل مع الموظفين والمتطوعين والداعمين. كما أن مواكبة التطور الحاصل في المجال التكنولوجي يضمن للمنظمة التواصل مع الأجيال الجديدة ذات المهارة التقنية العالية وكسبهم على المدى الطويل.
  2. جودة الأداء: حيث تنخفض نسبة الأخطاء البشرية عند الاستعانة بالتقنيات الذكية، كما يمكن قياس وتطوير الأداء باستمرار مما يضمن التحسين المستمر للعمل.
  3. شفافية ودقة الإجراءات: حيث توفر الأدوات التقنية معلومات تفصيلية عن أي عمليات وأنشطة تقوم بها المنظمة من خلالها، ويمكن الاستفادة من هذه السجلات في التقارير السنوية التي تنشرها المنظمات غير الربحية لداعميها.
  4. خفض التكلفة: حيث تقلل المنظمات غير الربحية عدد موظفيها وتبدلهم ببرامج وأدوات أقل تكلفة على المدى الطويل.
  5. زيادة التركيز على الأهداف والمستفيدين: حيث تستطيع المنظمات غير الربحية اختيار وفرز واستهداف داعمين ومتطوعين ذوو صفات وخصائص معينة تتناسب مع توجهاتها وأهدافها العامة عن طريق تحليل المعلومات الشخصية والجغرافية التي توفرها هذه الأدوات التقنية.

ثالثاً: ما مراحل التحول الرقمي؟

تختلف الطرق وتتنوع الأساليب المؤدية إلى التحول الرقمي لكن هناك خطوات أساسية مهمة لابدّ وأن تمرّ بها المنظمة -وإن اختلف الترتيب قليلا- حتى تصل للتحوّل المنشود، وهي كالتالي:

  • تعرف قيادة المنظمة وموظفيها على مصطلح التحول الرقمي وما يتضمنه من إجراءات وما يواجهه من تحديات حتى تتم العملية بوعي وإلمام الجميع بها.
  • دراسة واقع المنظمة ونقاط قوتها وضعفها وفرص تطويرها وتحسينها والحلول التقنية المقترحة المناسبة لها ووضع الاستراتيجيات الأمثل للتحول الرقمي وآلياته.
  • توزيع المسؤوليات على القائمين بعملية التحول واعتمادهم كمرجعيات إدارية للتحوّل.
  • رسم أهداف تفصيلية محددة ومراحل واضحة للتنفيذ واعتمادها في مرحلة التطبيق العملي بشكل تدريجي حسب أولويتها وأهميتها للمنظمة.
  • البدء في التطبيق حسب خطة زمنية معينة وعن طريق إشراك الجميع في عملية التحول.
  • المراجعة والمتابعة المستمرة لسير عملية التحول الرقمي وقياس مدى فعالية التقنية المستخدمة عبر قراءة وتحليل البيانات المستخرجة منها.
اقرأ أيضاً:  نصائح لتأسيس قسم التواصل الرقمي في المنظمات غير الربحية

رابعاً: ما هي التحديات التي تواجه المنظمة عند التحول الرقمي؟

يلخص الشكل التالي أبرز التحديات التي تواجه المنظمات بشكل عام واختلاف أهميتها تبعًا لحجمها:

أبرز خمس تحديات عند القيام بالتحول التقني للمنظمات باختلاف حجمها بناء على عدد موظفيها

 

و يمكن إجمال التحديات التي تواجه المنظمات غير الربحية على وجه الخصوص في النقاط التالية:

  1. محدودية الميزانية: فالمنظمات غير الربحية في احتياج دائم للداعمين والمتطوعين مما يجعل شراء وتوفير واستخدام التقنيات المتقدمة وحماية البيانات أمرًا مكلفًا.
  2. شحّ الموارد البشرية المؤهلة تقنيًا: ويضاف إلى ذلك انخفاض رواتب العاملين في المنظمات الخيرية مقارنة بالشركات الربحية وهذا الفارق هو عائق كبير في عملية جذب الأشخاص المؤهلين القادرين على دفع عجلة التحول الرقمي.
  3. بطء وانخفاض الأداء والتنفيذ: وهذه المشكلة ناتجة عن المشكلتين السابقتين ذوات العلاقة بالميزانية والكوادر البشرية. فتواضع الإمكانات يؤثر على الناتج النهائي وينعكس على شكل قصور واضح في تحقيق التحول المنشود.

إذاً.. مالحلول المقترحة لتجاوز هذه التحديات؟

من المهم أن تنظم المنظمة غير الربحية أولوياتها بناء على حاجتها وتختار الحلول التقنية الأنسب لها بغض النظر عن الرائج والمنتشر في باقي الشركات لأن مواردها وكوادرها محدودة لا تتسع لكل ما تقدمه التقنية. كما أن التخطيط الجيد والدراسة الفاحصة الدقيقة تساعد على تجنب إهدار أي موارد مالية وبشرية عند تنفيذ التحول الرقمي.

ولابد من تبسيط عملية التحول قدر الإمكان وعدم الاستعجال في تطبيقها كما يمكن للمنظمات العاملة في القطاع غير الربحي الاستفادة من بعضها البعض والسعي معًا لتسهيل عملية التحول الرقمي بالقطاع ككل.

أخيرًا ..

إن التحول الرقمي بات واقعًا اليوم فلابدّ للمنظمات عمومًا وغير الربحية خصوصًا أن تقوم به بوعي واحترافية وبطريقة سليمة وهذا لا يتم إلا بالإلمام بطبيعة هذا التحول ومراحله وأشكاله.

عن الكاتب

عبير القصبي

اترك تعليق