الشبكات الإجتماعية والتواصل

ظاهرة تحدي الثلج وأسباب نجاحها في الشبكات الإجتماعية

كُتب بواسطة عبدالرحمن محمد

ظهر في الآونة الأخيرة وفي المجتمع الأمريكي تحديداً وعلى صفحات التواصل الاجتماعي ما يسمى بـ(تحدي الثلج) أو Ice Bucket Challenge والذي ما زال وعلى مدى الشهرين الماضيين يجذب إليه العديد والعديد من فئات المجتمع الأمريكي.

فكرة هذا التحدي باختصار هو أن تقوم بتصوير نفسك وأنت تصب على رأسك دلواً من الماء البارد ومن ثم تقوم برفع هذا المقطع على صفحات التواصل الاجتماعي وتقوم بتحدي ثلاثة أشخاص من دائرة معارفك حتى يقوموا بهذا الأمر خلال ٢٤ ساعة أو أن يتبرعوا بمبلغ ١٠٠ دولار (في حال فشلوا في إتمام التحدي) لصالح جمعية مرض التصلب الجانبي الضموري والمعروف بـ(ALS).

إذا تحدثنا قليلاً بلغة الأرقام عن هذه الحملة فقد يذهلك أن تعلم أن عدد التبرعات حتى الآن وصلت إلى 62.5 مليون دولار (من وقت كتابة هذا المقال). وعلى مدى الشهر والنصف الماضية تم رفع أكثر من ١,٢ مليون مقطع فيديو على صفحات الفيسبوك لأشخاص قاموا بالتحدي، كما بلغت عدد التغريدات التي تحدثت عن هذه الحملة ٢,٢ مليون تغريدة، بحسب جريدة النيويورك تايمز (في عددها الصادر في 17 أغسطس) . كما أن هذه الحملة قد جذبت أكثر من ربع مليون متبرع جديد كما ذكرت الجمعية.

هذه الحملة تميزت بأنها جذبت كما ذكرت سابقاً كافة أفراد المجتمع الأمريكي لها ومن جميع طبقاته. من أبرز الذين شاركوا في هذا التحدي: مارك زوكربيرغ مؤسس موقع التواصل الاجتماعي الفيسبوك والذي قام بدوره بتحدي بيل غيتس مؤسس شركة مايكرو سوفت، كما كان لتيم كوك المدير الحالي لشركة أبل أيضاً نصيب من هذا التحدي، هذا بالإضافة للعشرات من الممثلين والرياضيين ومذيعي البرامج.

لو قمنا بتتبع بدايات هذه الحملة لوجدنا أن العجيب في الأمر أنها لم تبدأ من الجمعية ولم يكن للجمعية أي يد في الموضوع. الفكرة بدأت تظهر على صفحات التواصل الاجتماعي قبل ارتباطها بالجمعية بأسابيع، وكانت عبارة عن تحدٍ عام بين الأصدقاء وأن من يخسر في التحدي فعليه أن يتبرع بمبلغ ١٠٠ دولار لأي جمعية كانت. سمع بهذا الأمر أحد المصابين بمرض التصلب والذي قرر أن يقوم بتحدي أصدقاءه وطلب منهم أن يتبرعوا لصالح هذه الجمعية في حال فشلوا في التحدي، ومن هنا بدأت قصة ارتباط الحملة بالجمعية. فالجمعية لم يكن لها يد في الأمر ولم تقم هي فيما بعد بربطها بنفسها، بل قام بها أحد المرضى، الأمر الذي قد لاقى صدى وقبولاً كبيراً من أفراد المجتمع.

من المهم جداً دراسة مثل هذه (الظواهر) إن صح التعبير، حتى يستفاد من بعض آلياتها في صناعة استراتيجيات جديدة في مجال التسويق الخيري. ومن هنا أتطرق لبعض النقاط التي لفتت نظري عن هذه الحملة وما جعلها ناجحة:

  • الحملة جاءت بتعليمات واضحة ومحددة: إما أن تقوم بالتحدي أو تتبرع بقيمة محددة، ومن ثم أن تقوم بتحدي ثلاثة أشخاص (عدد محدد) وهكذا. من السهل جداً أن تقنع شخصاً بالعمل إذا أعطيته تعليمات واضحة في حين أن الإجمال العام قد يعيق البعض عن الأداء.
  • الحملة جاءت بروح (اللعب) و(المنافسة) وهي من الأمور المتفقة مع الطبع البشري. فبعيداً عن الجدية (الخانقة بعض الأحيان) كلنا وإن كبرنا في العمر وإن اختلفت سبله وطرقه فما زلنا نحب التحدي واللعب وإذكاء روح المنافسة.
  • الكل يستطيع أن يشارك! فلكي تقوم بالتحدي لن تحتاج إلى مهارات معينة ومحددة.
  • الحملة استفادت من التواصل في زمن التواصل الاجتماعي، فالفكرة لا تنجح إلا إذا قمت برفع المقطع على صفحاتك الاجتماعية.
  • ربط العدد بـ(٣) جعل من الحملة تراكمية وأعطاها الزخم المطلوب. فحتى المشاهير (في الغالب) لن يقوموا إلا بتحدي أقرانهم من المشاهير.
اقرأ أيضاً:  المواقع الإلكترونية للمنظمات الخيرية بين التقنية والعلاقات والإعلام

هذه الحملة هي في نهاية الأمر عبارة عن فكرة، وكحال أي فكرة فهناك المؤيد لها وهناك المعارض. الأصوات المعارضة كانت وماةزالت تنظر إلى هذه المبادرات على صفحات التواصل الاجتماعي على أنها لا تؤدي الغرض المطلوب (كالتبرع مثلاً) ولكن عوضاً عن ذلك تساهم في إعطاء الأفراد المشاركين في الحملة ذلك الشعور والرضى الداخلي بالإنجاز وتحقيق الهدف المنشود من الحملة. في حين أن نقرهم على زر المشاركة أو الريتويت أو حتى الإعجاب لم يثمر عن أثر فعلي في الواقع، وأطلقوا على مثل هذه الأعمال والأشخاص مصطلح (Slacktivism).

الفريق المعارض لمثل هذه الحملات يرى أن الجمعيات تصفق وبحرارة لكل شخص يقوم بالمشاركة في مثل هذه الأمور مما يعطي الفرد الشعور الداخلي المتمثل بالإنجاز والرضى وبأنه قام بخطوات عملية ساهمت في الدفاع عن القضية. أصحاب هذا الرأي لم يأتوا من فراغ، فبحسب بعض الإحصائيات التي رصدت عن هذه الحملة فإن قرابة 90% من الذين قرروا التبرع للحملة لم يقوموا فعلياً بذلك. وإن دلّ ذلك على شيء فإنما يدل على خلل إما في الفكرة وإما في طريقة التنفيذ.

إذا نظرت إلى هذه الحملة فإنك ستجد أن الإنسان هو محورها، فالإنسان هو الذي يقوم بالتحدي وهو الذي يتحدى، هو الذي يسوّق للفكرة وهو الذي يقوم بعملية التبرع. فزمام الأمر لم يعد بيد الجمعية ولكن بيد غيرها، وبالتالي لم يعد بالإمكان التحكم في النتائج، وهذا هو الجانب المرعب في عالم مواقع التواصل الاجتماعي. يمكنك أن تبدأ الشيء ولكن قد لا يكون لك إنهاؤه، فأنت قد صنعت الشيء ولكن لم يعد بإمكانك التحكم في استعمالاته، لأنه أصبح عند غيرك، ومن هذه الأمور: التسويق الشخصي.

لو نظرت إلى تحدي بيل غيتس على صفحات التواصل الاجتماعي، لوجدته يستعمل جهاز سيرفس برو اللوحي من شركته مايكرو سوفت، ولوجدت تيم كوك يقدم على فعل التحدي ضمن إحدى احتفالات شركة أبل لموظفيها في جو أقرب إلى التسويق لبيئة العمل في الشركة. أيضاً لرأيت مارك زوكربيغ يتحدى (بالإضافة لتحديه لبيل غيتس) شيرلي ساندبرغ والتي تم تعيينها مؤخراً كإحدى المدراء التنفيذيين في فيسبوك، كرسالة واضحة عن تنوع موظفي الشركة (بعد الانتقادات الأخيرة لشركات وادي السيليكون في عدم وجود تنوع جنسي وعرقي بين أفراد الشركات هناك وخصوصاً المرأة).

هؤلاء الناس وغيرهم وإن كانوا متهمين بتسطيح القضية وجعلها عن أنفسهم أقرب من كونها تضحية شخصية لتحقيق الهدف المنشود من جمع التبرعات للأبحاث من أجل القضاء على المرض، إلا أنهم قاموا بتحقيق شيئين:

  1. وإن سوّقوا لأنفسهم إلا أنهم في نهاية الأمر سوّقوا للقضية. ففي نهاية المطاف سيبقى الخبر بأن هذا الشخص قام بصب دلو من الماء البارد على رأسه مناصرةً للقضية. وإن كانت الأهداف شخصية، إلا أن التسويق من شخص لآخر (peer to peer) سيبقى أنجح وأقوى من تسويق الشركات/الجمعيات للأفراد. أضف إلى ذلك بأن أمثال هؤلاء أعطوك سبيلاً للوصول إلى شرائح من المجتمع لم تكن تعلم عنها قبلاً أو لم تستطع الوصول إليها.
  2. توطين المجتمع على عمل الخير ونشر ثقافة فعل الخير. فمثل هؤلاء يجعلون الحديث عن العمل الخيري ثقافة سائدة في المجتمع كالحديث عن الأخبار واللاعبين وحتى المشاهير.

هذه الحملة تحوي العديد والعديد من الأطروحات والتي لم أحط بها، ولكني أضعها بين يديك أيها القارئ العزيز، وأشد انتباهك لها، لتدرسها وتفهمها ومن ثم تستقي منها بعض استراتيجياتك المستقبلية لمشروعك وجمعيتك.

عن الكاتب

عبدالرحمن محمد

كولورادو - الولايات المتحدة الأمريكية

اترك تعليق